الشيخ محمد الصادقي
11
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فهي لا تتنازل عما ترتئيه إلا برفق ، كيلا تشعر في صراعه بهزيمة ، فإنها - بطبيعة الحال - تعتبر التنازل عن الرأي تنازلًا عن هيبتها وحرمتها وكيانها ، والجدال بالتي هي أحسن تُطامن من هذه الكبرياء والحساسية المرهفة ، وتُشعر المجادل أن حرمته مصونة ، وقيمته كريمة محترمة وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة التي هي أحق منهما . ولأقل تقدير فالجدال بالتي هي أحسن تُطامن من طيش المدعو فتخمد نار دعوته الضالة ، ودَلالَه أمام المهتدين ، فيصد عن شره وضره ، وإن لم ينصد هو عن ضلاله في نفسه . فقد يحاور الداعية ضالًا صامداً معانداً ، فيزيد في عناده وعدائه بما يستعمل من طرق سيئه في حواره ، تجهيلًا له ، وسباً لما يقدسه ، وتهويناً لرأيه ، وفي ذلك إماتة للحق وإحياء للباطل ، وتحريض لأهله أن يكرسوا طاقاتهم وإمكانياتهم ضد الحق وأهله ، وهذه جدال بالتي هي أسوء . وقد يحاوره دون حُسن ولا سوء فهي جدال بالسوء ، حيث لا تنفع وقد تضر ، وهي لأقل تقدير تبقي الضال على ما كان ، وذلك لغو وباطل من القول . وقد يحاوره بحسن ليس ليصده عن الدعاية الباطلة ، وانما تخفِّف عن طيشه ولا تجفف ، فهي حسنة لا تكفي صداً عن ضره وشره . فلتكن الجدال بالتي هي أحسن ، فان تحقيق الحق وإزهاق الباطل واجبٌ حسب المسطاع ، إذاً ف « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » . وفي رجعة أخرى إلى الآية - لنرى مدى الحسنة في الحكمة والموعظة ، والأحسن في الجدال - أحكام حكيمة في شرعة الدعوة والجدال ، مسرودة في آيات الدعوة والأمر والنهي والجدال . ومن حسن الحكمة أن يتصف بها الداعية ، ولأقل تقدير قدر الدعوة ، فليس لغير الحكيم أن يدعوا بالحكمة ، كما ومن حسن الموعظة اتعاظ الداعية قبل الدعوة ولأقل